ملا محمد مهدي النراقي

299

جامع السعادات

وإيجاده ، لا ذات ولا وجود ، بل محض العدم وعدم المحض . فذات كل شئ ووجوده وثباته وبقاؤه بالله العلي العظيم . فإذا قرأ التالي آية تدل على شئ من عجائب صنعه وغرائب فعله ، فليتأمل في تلك العجائب ، ثم يترقى منها إلى أعجب العجائب ، وهي الصفة التي صدرت منها هذه الأعاجيب . وإذا سمع وصف الجنة والنار وسائر أحوال الآخرة ، فليتذكر أن ما في هذا العالم من النعم والنقم لا نسبة له إلى ما في عالم الآخرة ، فلينتقل من ذلك إلى عظمة الله تعالى ، وينقطع إليه باطنا ، ليخلصه من عقوبات تلك النشأة ، ويوصله إلى نعيمها ولذاتها . وإذا سمع أحوال الأنبياء عليهم السلام ، من تكذيبهم وضربهم وقتلهم ، فليفهم منه صفة الاستغناء لله تعالى من الرسل والمرسل إليهم ، وأنه لو أهلك جميعهم لا يؤثر في ملكه وإذا سمع نصرتهم في الأمر ، فليفهم قدرة الله وإرادته لنصرته لنصرة الحق . وأما أحوال المكذبين وما جرى عليهم من العقوبات وضروب النكال ، فليستشعر الخوف من سطوته ونقمته ، ويعتبر في نفسه ، ويعلم أنه غفل وأساء الأدب ، واغتر بما أمهل ، فربما تدركه النقمة . وكذلك إذا سمع الوعد والوعيد والأمر والتهديد ، فلا يمكن استقصاء ما يفهم من القرآن ، لأنه لا نهاية له ، إذ ( لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ) ( 47 ) . ولكل عبد منه بقدر استعداده ومقدار فهمه وصفاء نفسه . ومنها - التخلي عن موانع الفهم : وهي التقليد والتعصب لمذهب ، فإن ذلك بمنزلة حجاب لمرآة النفس يمنعها عن انعكاس غير معتقدها فيها ، والجمود على تفسير ظاهر ، ظانا أن غيره تفسير بالرأي لا يجوز ارتكابه ، وصرف الهمة والفهم إلى تحقيق الحروف وما يتعلق بها من الأمور المتداولة بين القراء ، فإن قصر التأمل على ذلك مانع من انكشاف المعاني ، والاصرار على الذنوب الظاهرة والباطنة ، ومتابعة الشهوات المظلمة للقلب الموجبة للحرمان عن انكشاف الأسرار والحقائق فيه ، وإشراق المعارف الحقة عليه .

--> ( 47 ) الكهف ، الآية : 110 .